محمد بن جرير الطبري

325

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال أبو جعفر : وأولى الأَقوال بالصواب في تأويل ذلك ، تأويل من قال التعريض بالخطبة في العدة : السر في هذا الموضع : الزنا وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة سرا ، لأَن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه ، فيسمى لخفائه سرا . من ذلك قوله رؤبة بن العجاج : فعف عن أسرارها بعد العسق * ولم يضعها بين فرك وعشق يعني بذلك : عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك . ومنه قول الحطيئة : ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع وكذلك يقال لعل ما أخفاه المرء في نفسه سر ، ويقال : هو في سر قومه ، يعني في خيارهم وشرفهم . فلما كان السر إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأَوجه الثلاثة ، وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف ، فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو السر الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعدين المتواعدين ، والسر الذي بمعنى الغشيان والجماع . فلما لم يبق غيرهما ، وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به صح أن الآخر هو المعني به . فإن قال : فما الدلالة على أن مواعدة القول سرا غير معني به على ما قال من قال : إن معنى ذلك : أخذ الرجل ميثاق المرأة أن لا تنكح غيره ، أو على ما قال من قال : قول الرجل لها : لا تسبقيني نفسك ؟ قيل : لأَن السر إذا كان بالمعنى الذي تأوله قائلوا ذلك ، فلن يخلو ذلك السر من أن يكون هو مواعدة الرجل المرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره ، أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تجيبه إليه بعد انقضاء عدتها وبعد عقده له دون الناس غيره . فإن كان السر الذي نهى الله الرجل أن يواعد المعتدات هو أخذ العهد عليهن أن لا ينكحن غيره ، فقد بطل أن يكون السر معناه ما أخفى من الأَمور في النفوس ، أو نطق به فلم يطلع عليه ، وصارت العلانية من الأَمر سرا ، وذلك خلاف المعقول في لغة من نزل القرآن بلسانه ، إلا أن يقول قائل هذه المقالة : إنما نهى الله الرجال عن مواعدتهن ذلك سرا بينهم وبينهن ، لا أن نفس الكلام بذلك وإن كان قد أعلن سر . فيقال له : إن قال ذلك فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والخطبة صريحا علانية ، إذ كان المنهي عنه من المواعدة إنما هوما كان منها سرا . فإن قال إن ذلك كذلك خرج من قول جميع الأَمة ؛ على أن ذلك ليس من قيل أحد ممن تأول الآية أن السر هاهنا بمعنى المعاهدة أن لا تنكح غير المعاهد . وإن قال : ذلك غير جائز . قيل له : فقد بطل أن يكون معنى ذلك : إسرار الرجل إلى المرأة بالمواعدة ، لأَن معنى ذلك لو كان كذلك لم يحرم عليه مواعدتها مجاهرة وعلانية ، وفي كون ذلك عليه محرما سرا وعلانية ما أبان أن معنى السر في هذا الموضع غير معنى إسرار الرجل إلى المرأة بالمعاهدة ، أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها ؛ أو يكون إذا بطل هذا الوجه معنى ذلك : الخطبة والنكاح الذي وعدت المرأة الرجل أن لا تعدوه إلى غيره ، فذلك إذا كان ، فإنما يكون بولي وشهود علانية غير سر ، وكيف يحوز أن يسمى سرا وهو علانية لا يجوز إسراره ؟ وفي بطول هذه الأَوجه أن يكون تأويلا لقوله : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا بما عليه دللنا من الأَدلة وضوح صحة تأويل ذلك أنه بمعنى الغشيان والجماع . وإذا كان ذلك صحيحا ، فتأويل الآية : ولا جناح عليكم أيها الناس فيما عرضتم به للمعتدات من وفاه أزوجهن من خطبة النساء وذلك حاجتكم إليهن ، فلم تصرحوا بالنكاح والحاجة إليهن إذا أكننتم في أنفسكم ، فأسررتم حاجتكم إليهن وخطبتكن إياهن في أنفسكم ما ثمن في عددهن ، علم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن في عددهن . فأباح لكم التعريض بذلك لهن ، وأسقط الحرج عما أضمرته نفوسكم حلما منه ، ولكن حرم عليكم أن تواعدوهن جماعا في عددهن ، بأن يقول أحدكم لإِحداهن في عدتها . قد تزوجتك في نفسي ، وإنما أنتظر انقضاء عدتك ، فيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الجماع والمباضعة ، فحرم الله تعالى ذكره ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قال أبو جعفر : ثم قل تعالى ذكره . إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً فاستثنى القول المعروف مما نهي عنه ، من مواعدة الرجل المرأة السر ، وهو من غير جنسه ؛